الأمثال في القرآن الكريم – سورة البقرة (1)

1- {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) } [البقرة: 17 – 19].

المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، وذلك في نهاية الإيضاح:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21].

وهذا المثل ضربه الله للمنافقين: شبَّه المنافق، كمن استوقد ناراً، سعى وعمل على إيقادها فلما حصل له ما أراد لم ينتفع بها، بل مضى في الظلمات، بعدما أبصر ما حوله من النور.

إن المنافقين لم يعرضوا عن الهدى ابتداءً، ولم يصموا آذانهم عن السماع وعيونهم عن الرؤية وقلوبهم عن الإدراك كما صنع الذين كفروا، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه، لقد استوقدوا النار، فلما أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها، وهم طالبوها، عندئذ ذهب الله بنورهم الذي طلبوه ثم تركوه وتركهم في ظلمات لا يبصرون جزاء إعراضهم عن النور، قال السدي: إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا، والتشبيه هاهنا في نهاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين؛ لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين.

ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع الله تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكَّله الله إلى نفسه وذهب بنوره، وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بتعدد أنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال:(وتركهم في ظلمات لا يبصرون) شيئا. حذف مفعول يبصرون إيذانا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكاً من مسالك الهداية ولا يرون طريقا من طرقها؛ لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم، ويا ويل من وكَّله الله إلى نفسه وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.

وإذا كانت الآذان والألسنة والعيون لتلقي الأصداء والأضواء والانتفاع بالهدى والنور فهم قد عطلوا آذانهم فهم صُّمٌ، وعطلوا ألسنتهم فهم بُكْمُ، وعطلوا عيونهم فهم عُمْيٌ، فلا رجعة لهم إلى الحق، ولا أوبة لهم إلى الهدى، ولا هداية لهم إلى النور.

 2- ومثل آخر يصور حالهم ويرسم ما في نفوس المنافقين من اضطراب وحيرة وقلق ومخافة: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} [البقرة: 19، 20].

إنه مشهد عجيب حافل بالحركة مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء، صيب من السماء هاطل غزير، فيه ظلمات ورعد وبرق كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا: أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون، وهم مفزعون يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت.

إن الحركة التي تغمر المشهد كله من الصيب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق إلى الحائرين المفزعين فيه إلى الخطوات المروعة الوجلة التي تقف عندما يخيم الظلام إن هذه الحركة في المشهد لترسم عن طريق التأثر الإيحائي حركة التيه والاضطراب والقلق التي يعيش فيها أولئك المنافقون بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين بين ما يقولونه لحظة ثم ينكصون عنه فجأة بين ما يطلبونه من هدى ونور وما يفيئون إليه من ضلال وظلام فهو مشهد حسي يرمز لحالة نفسية ; ويجسم صورة شعورية وهو طرف من طريقة القرآن العجيبة في تجسيم أحوال النفوس كأنها مشهد محسوس.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.