اللهجات في المتواتر من القراءات – سورة البقرة (1)

3- قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].

القراءات الواردة في الآية:   

القراءة الأولى: (فِيْهِي هُدَىً) بصلة هاء الضمير، قرأ بها ابن كثير.

القراءة الثانية: (فِيهِ هُدًى) بكسر هاء الضمير من غير صلة، قرأ بها بقية العشرة.

القراءة الثالثة: (فِيْهُّدى) بالإدغام الكبير، قرأ بها أبو عمرو، ويعقوب بخلفهما.

اللغات الواردة في القراءة:

  • (فِيْهِي هُدَىً) صلة هاء الضمير لغة للعرب لم تُنْسَب، أتت على الأصل.

قال الأخفش [ت215هــ]: «فـ(فيه)، و(عليه)، و(إليه)، وأشباه ذلك في القرآن كثير، وذلك أن العرب إذا كان قبل هذه الهاء التي للمذكر ياء ساكنة، حذفوا الياء التي تجيء من بعد…».

فدلَّ كلام الأخفش على أن العرب تحذف الياء التي تأتي بعد الهاء في نحو: (فيه – عليه- وإليه) باعتبار أصلها (فيهي- إليهي-  عليهي)، وقوله: (العرب) يقصد بعضهم، كما أن من أبقى صلة هاء الضمير بياء أو واو فهو على الأصل عند بعضهم الآخر.

  • (فِيهِ هُدًى) بكسر الهاء إذا كان قبلها ياء ساكنة لغة تميم.

قال الأخفش عن هذا الموضع وما شابهه: «ولا تكسر هذه الهاء إلا أن تكون قبلها ياء ساكنة، أو حرف مكسور، وإنما يكسر بنو تميم، فأما أهل الحجاز فإنهم يضمون بعد الكسر وبعد الياء أيضاً…».

  • (فِيْهُّدى)بالإدغام الكبير لغة أَزْد السَّرَاة.

قال الأخفش: «قد قرأ بعض القراء (فِيه هُّدَى) فأدغم الهاء الأولى في هاء (هُدى)؛ لأنهما التقتا وهما مِثْلان، وزعموا أن من العرب من يؤنث (الهُدى)، ومنهم من يُسَكِّن هاء الإضمار للمذكر…وهذه في لغة أَسْد السراة».

التوجيه الصوتي للقراءات:

أولاً: توجيه صلة هاء الضمير بعد ساكن لابن كثير:

وَجْهُ القراءةِ بصلةِ هاءِ الضمير بواو أو ياء حسب ما قبلها مثل (فيهي هدى): أنها جاءت على الأصل، قال ابن زنجلة [ت 403هـــ]: «ابن كثير يقرأ:(فيهي وعليهي) بإشباع الْهَاء يصلها بياء، وحجته أَن أَصْلهَا (فيهو وعليهو)، ثمَّ قلبوا الْوَاو يَاء للياء الَّتِي قبلهَا، وكسروا الْهَاء فَصَارَت (فيهي وعليهي)» ، وأيضاً لأجل تقوية الهاء بالياء بعدها، وعدم الاعتداد بالتقاء الساكنين، واجتماع الحروف المتجانسة.

 ثانياً: توجيه كسر هاء الضمير من غير صلة:

ووجهُ القراءةِ بحذفِ صلةِ هاءِ الضمير، لِشُبْهَةِ اجتماع الساكنين، وذلك أن الياء في (فيه) ساكنة، فإذا وُصِلَ الهاء بياء ساكنة صار كأنه قد جمع بين ساكنين، إذ ليس بينهما إلا الهاء وهي خفيفة، فحذفت ياء الصلة وبقيت الكسرة تدل عليها، وعلة أخرى: أن الياء إذا كانت قبل الهاء، وجاءت بعدها الهاء، وُصِلَتِ الهاء بياء اجتمعت فيها ثلاثة حروف متجانسة، وقد كرهوا اجتماع الحروف المتجانسة.

ثالثاً: الإدغام الكبير في (فيه هدى):

الإدغام هو الأصل في الحرفين المثلين فقط؛ وعلة ذلك إرادة التخفيف، قال ابن زنجلة[ت403هـ]: «وحجة من أدغم أن الإظهار كإعادة الحديث مرتين، فأسكن الحرف الأول وأدغمه في الثاني؛ ليعمل اللسان مرة واحدة، وَشَبَّهَ الخليل ذلك بالمقيد،( إذا رفع رجله في موضع ثم أعادها إليه ثانية)، قال: والذي أوجب الإدغام هو أنه يثقل على اللسان رفعه من مكان وإعادته في ذلك المكان، أو ما يقرب منه، وَشَبَّهُهُ غيره بإعادة الحديث مرتين ». 

الظواهر اللهجية في هذه القراءات:

الظاهرة الأولى: الصلة:

تشير الدراسات الحديثة للهجات العرب أن ظاهرة الصلة يمكن نسبتها إلى البيئة المتحضرة من أهل الحجاز؛ لكونهم يميلون إلى التأني في النطق، ويبذلون الجَهد في نطق الحرف، وهذا يتوافق مع طبيعة نشاطهم وحياتهم، ويتوافق وقراءة الأئمة الحجازيين: ابن كثير، وأبي جعفر، ونافع في صلة هاء الضمير، وصلة ميم الجمع وغيرها، مع التنبيه أن هذا يقع أحياناً، والأصل في ذلك كله الرواية.

بينما يُنْسَب إسكان الهاء إلى تميم ومن يجاورها في وسط شبه الجزيرة العربية وشرقيها، ويتسق ذلك مع البيئة البدوية، والسرعة في النطق، وتلمُّس أيسر السبل من التأثر بالحذف والإدغام وغيره.

الظاهرة الأخرى: الإدغام:

القبائل التي اشتهرت بالإدغام هي تلك القبائل التي كانت تميل إلى الخفة والسرعة في كلامها؛ لكون فك الإدغام يقتضي مجهوداً عضلياً أكبر في تحقيق الأصوات، وفصل بعضها عن بعض، والقبائل التي تذهب للإظهار هي تلك التي تجنح إلى التأني والوضوح فيه، ولم يكن الإدغام يقل شيوعاً في اللغة العربية عن الإظهار إن لم يزد عليه، حتى إن أبا عمرو بن العلاء [ت 154هـ] يقول: «الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره »، ووجَّه  أبو عمرو الداني [ت444هـ] سبب ذلك بقوله: « إنَّ الإدغام تخفيف وتقريب… وإنما أدغمت القرَّاء والعرب؛ طلباً للخفة وكراهية الاستثقال »، ويقول أيضاً:«واعلم أنَّ أصل الإدغام إنّما هو لحروف الفم واللسان، لكثرتها في الكلام وقُرب تناولها، ويضعف في حروف الحلق، وحروف الشفتين؛ لقلّتها وبُعْد تناولها».

وقد لخَّص الفَرَّاء [ت 207هـ] علة الإدغام بقوله: «فما ثقل عَلَى اللسان إظهاره فأَدْغِم، وما سَهُلَ لكَ فِيهِ الإظهار فَأَظْهِرْ ولا تُدْغِمْ ».

وقد نسب كثير من العلماء الإدغام  إلى قبيلة تميم، ومن هؤلاء سيبويه [ت180هــ] حيث قال عند حديثه إدغام المثلين:«أهل الحجاز في الجزم قالوا: أُرْدُدْ ، وهي اللغة العربية القديمة الجيدة، وبنو تميم أدغموا».

ويرى الدكتور محيسن [ت1422هـ]: أن الإدغام ظاهرة صوتية تحدث بسبب تأثر الأصوات المتجاورة بعضها ببعض، وكثيراً ما يحدث ذلك في البيئات البدائية حيث السرعة في نطق بعض الكلمات، ومزج بعضها ببعض فلا يعطى الحرف حقه الصوتي من تجويد في النطق به، و قد نزح إلى البيئة العراقية العديد من القبائل التي تتميز بعدم الاستقرار وكثرة الترحال، بينما القبائل المستقرة كالبيئة الحجازية فإنها تميل إلى التأني في النطق، وتحقيق الأصوات وعدم الخلط بينها.

 

د. فيصل الجودة

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.