هدايات سورة البقرة (2)

الهداية  الثانية: لا يجدي مع الكفر بشارة ولا نذارة ولا عتاب.

الكفر حالة تعكس إعراض الإنسان عن الهداية، وإنكاره طرقها، وجحوده ثمارها، وخلعه وتبرؤه مما به صلاح نفسه؛ ولذا جاء بهذا التعبير: التغطية والستر، قال ابن فارس: «الكاف والفاء والراء » أصل صحيح يدل على معنى واحد: وهو الستر والتغطية.

وجاء التعبير القرآني يصف حال الكافرين عند تلقيهم الإنذار، بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6] .

ذكر النذارة ولم يذكر البشارة؛ لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة، فاشتغال الإنسان بدفع الضرر عنه أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، فالإنذار وعدمه لا يجدي عند اختيار الإنسان مسلك الكفر.

بعد هذه الحالة التي اختارها الإنسان لنفسه بمحض إرادته؛ جاء الختم على القلب، والسمع، والبصر؛ وهي نتيجة حتمية مبدأها ومنتهاها اختيار الإنسان، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – صورة من هذا الختم: قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».

وذكر الله تعالى الأعضاء التي يقع عليها (الختم) والمقصود به الطبع، والتغطية والاستيثاق من أن يدخل القلب شيء، وهذا هو مقصود الكفر، فالله تعالى ختم على قلوبهم بعد أن اختاروا هذا الطريق، كما بين الله تعالى بقوله:{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7].

و أول عضو يقع عليه الختم وهو القلب؛ لأنه يفكر، ويتذكر، ويحس، وفي هذا إعجاز قرآني عجيب، فقد اكتشف العلماء سنة 1991م أن في كل قلب بشري 40 ألف خلية متخصصة؛ صممت كي تصنع شبكة عصبية داخل القلب، إنها خلايا تشبه الدماغ، لكنها ليست في الدماغ، ويطلق عليها (العقل الصغير في القلب)، وهذه الأربعين ألف خلية تسمى(العصب الحسي) وظيفة هذه الخلايا: تفكر بشكل مستقل عن الدماغ، تحس، وتتذكر، وتفكر.

ثم ذكر الله تعالى العضو الثاني: السمع؛ لأنه المنفذ الأكثر تلقياً للهدايات، ويليه البصر وبه ينظر الإنسان شيئاً من دلائل الآفاق، وشيئاً من دلائل الأنفس؛ ولذلك عطفه عليه، وقد وقع الختم على هاذين العضوين بعد القلب في حالة الكفر، رغم أنهما الأساس في تلقي الهدايات، ويفترض فيهما ذلك؛ لكن الكفر عطل مهمة هذه الأعضاء، و لذا جاء التعبير الرباني في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة: 7].

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقا


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.